حسن الأمين

196

مستدركات أعيان الشيعة

الجواهر ، ورفاق له من الأفاغنة أن يستعينوا بهؤلاء الشيوخ على الهرب إلى بعض البلدان العربية الواقعة على الخليج فامتنعوا . ولكن أحد الشيوخ ، ويدعى أحمد المدني ، قبل أن يعطيهم سفينة تحملهم إلى هناك فانطلقوا بها إلى « رأس الخيمة » . إلا أن عرب عمان قتلوا أكثرهم واستعبدوا من بقي منهم حيا . وانطلق « أشرف » من « لار » شرقا مع ألفين من رجاله وعدة نساء . ولكن رجاله أخذوا يتناقصون بالموت من الجوع والتعب حتى لم يبق منهم معه غير ثلاثة . ثم قتل في صحراء « بلوشستان » الشرقية . قتله أحد رؤساء « البلوش » . ويقول « مالكم » إن القاتل قطع رأسه وبعث به إلى نادر ومعه ماسة كبيرة كان يضعها على عضده . وفي رواية أخرى عن « الميرزا مهدي خان » كاتب نادر وعن « مارتين فرنج » وكيل « شركة الهند الشرقية » و « محمد خان » رئيس تشريفات « أشرف » - وقد رافقه حتى قتل - أن « أشرف » وهو في حال فراره إلى « قندهار » تلقته في بعض نواحيها قوة من عسكر ابن عمه عدوه « حسين سلطان » فقتلوه وجماعة من أصحابه . وبهذا استطاع نادر أن يحقق أعظم انتصاراته وينتهي إلى هذا النجاح الباهر بالقضاء على الجيش الأفغاني وتحرير إيران من طغيان هذا الغازي الفظيع . وقد استمر احتلال الأفاغنة لإيران سبع سنوات ذهب ضحية فيها مليونان من الإيرانيين بين قتيل وأسير وخربت أجمل مدنها وأحلى عماراتها . معاودة غزو هرات وانصرف نادر بعد ذلك إلى معالجة أمور العثمانيين فسافر إلى « أذربيجان » لهذه الغاية . وفيما هو يحاول هناك حل تلك المشاكل بالحسنى وصله تقرير من مشهد من ابنه « رضا قلي ميرزا » أن الأبداليين في « هرات » عادوا فنقضوا عهدهم الذي عاهدوه عليه ، وأنهم عازمون على غزو مشهد . هذا وقد أقدم الأبداليون بالفعل في الثالث من شوال سنة 1143 هعلى طرد حاكم « هرات » الذي سبق أن عينه نادر لها . وساقوا حملة على مشهد وعسكروا قريبا منها . فتوجه فورا من أذربيجان إلى خراسان . وقبل أن يبلغها كان الأفاغنة قد كسروا الجيش الإيراني المدافع ، وكان يقوده إبراهيم أخو نادر ، وذلك لخطأ في التكتيك ارتكبه إبراهيم . إلا أن نادرا تلقى تقريرا آخر من ابنه أن الابداليين انصرفوا عن مشهد عائدين إلى « هرات » لشغب الغلجائيين عليهم ، فانصرف نادر ، موقتا ، عن المضي إلى مشهد وتوجه إلى قمع حركات بعض المتمردين في نواحي أخرى . ثم أعد عدته لمواجهة الأبداليين في « هرات » نفسها ، فتوجه إليها . فلما علم الغلجائيون بمسيره هبوا إلى مساعدة الأبداليين ، تاركين خلافاتهم جانبا لمقاومة العدو المشترك . وبعد معارك رهيبة دارت في نواحي « هرات » تغلب عليهم واحتل المدينة في غرة رمضان سنة 1145 ه‍ ، بعد أن حاصرها عشرة أشهر وكاد يقتل في محاصرته لها . ثم انصرف إلى غزو الأفغانيين في نواحي أخرى فهزمهم واحتل بلدة « فرآه » . وفيما هو مشغول بهذه الحروب جاءته الأخبار بان العثمانيين قد تغلبوا على الشاه « طهماسب » في « كوريجان » بالقرب من « همذان » وأنه وقع على معاهدة صلح بينه وبينهم . وبعد احتلال « هرات » نقل ستين ألفا من الأبداليين إلى نواحي مشهد و « نيسابور » و « دامغان » ، ونقل أيضا إلى تلك النواحي ستين ألف عائلة من قبيلة « أفشار » قبيلته . وقبل ذلك . يوم كان في « أذربيجان » ، نقل ما بين خمسين ألفا وستين ألفا من أسرها إلى خراسان . منهم اثنا عشر ألف أسرة من قبيلة « أفشار » . واختار ستة آلاف شاب من الأذربيجانيين فجندهم في جيشه . احتلال قندهار كان نادر ، منذ أن أجلى الغلجائيين عن وسط إيران وجنوبها ينوي تطهير إيالة « قندهار » من الأفاغنة ويتحين الفرصة لذلك . وحانت هذه الفرصة بانشغال العثمانيين والروس عنه بحرب وقعت بينهما ، وتمكنه من القضاء على حركات التمرد . فجهز جيشا من ثمانين ألف مقاتل ، وسار به من أصفهان العاصمة قاصدا « قندهار » ، في السابع عشر من شهر رجب سنة 1149 ه‍ ، وصحب معه جماعة كبيرة من أمراء البختياريين والكرج رهائن ، ولكن بعنوان متطوعين في الظاهر . واحتل في مسيره هذا قبل وصوله إلى مدينة « قندهار » ، بعض المدن والقلاع وأوقع بحامياتها . فلما وصل إلى « قندهار » أقام معسكره قريبا منها . وبنى هناك مدينة كبيرة أحاطها بأسوار عظيمة وأقام فيها سوقا ومسجدا وحماما ، وسماها « نادرآباد » . وبدأ هجومه على « قندهار » في التاسع من شوال سنة 1151 ه‍ . وقام بالهجوم الحاسم صباح يوم الجمعة الثاني من ذي الحجة سنة 1151 . واختار من رجاله نخبة من الشجعان ليكونوا مقدمة الهجوم على أول برج من أبراج المدينة واحتلاله . وقال لهم : من دخل منكم البرج فاتحا فله جائزة ألف « نادري » ( نقد ) وإن تراجعتم فسأجعلكم طعمة للكلاب . وكان من أشد المتطوعين للهجوم « ملا » ( رجل دين ) اسمه « الملا آدينه مستوفي » . فاحتار نادر في أمره وقال له : أنت رجل دين فما أنت والحرب ، وهي ليست من شانك ولا عادتك ؟ ! فقال الملا : جعلت فداك . سترى إن شاء الله بعينك ! . وبدأ الهجوم بمعركة رهيبة انتهت بتضعضع المدافعين الأفغان فلم يجد قائدهم « سلطان حسين » - وهو زعيم الغلجائيين وابن عم « أشرف » الذي مر ذكره - بدا من التسليم . فبعث بكبرى أخواته واسمها « زينب » ومعها جماعة من رؤساء الغلجائيين إلى نادر يطلبون منه الأمان له . فأكرم نادر وفادتهم وأحسن استقبالهم ، وأمن « سلطان حسين » وأفراد عائلته . ثم أعطى جنده الجوائز الذهبية التي وعدهم بها ، وخص « الملا آدينه » بأكبر جائزة منها إذ كان من أشد المهاجمين شجاعة . وأمر بهدم المدينة وأجلى أهلها إلى « نادرآباد » وجعلها مركز الايالة . وأقام فيها مدة شهرين بعد الفتح . وبذلك محا لطخة عار الهزيمة التي أوقعها محمود الغلجائي وجنده قبل ستة عشر عاما بالايرانيين . واستطاع أن يسترد ما اغتصبوه من أرض إيران ، مع تنزيه نفسه عن مثل ما ارتكبه الأفاغنة يومئذ من إيذاء الأبرياء وسفك دمائهم ونهب أموالهم . وبعد أن تم له فتح « قندهار » هاجرت طوائف الأبداليين القاطنين في